السيد محمد صادق الروحاني
73
زبدة الأصول (ط الخامسة)
وبعبارة أخرى : إنّ بناء العقلاء عملًا قائمٌ على ذلك عند الشكّ في الإمكان والاستحالة ، مع ورود دليلٍ ظاهرٍ في الحكم ، فلو شككنا في إمكان التعبّد بالظنّ ، وورد دليلٌ دالٌّ على حجيّة ظنٍّ خاص كخبر الواحد ، يجب تبعيّة ذلك الدليل ، وهذا متينٌ جدّاً ، فإن شئت فاختبر ذلك من حال العبيد بالإضافة إلى الموالي العرفيّة ، فإذا قال المولى لعبده : ( ادخل السوق واشتر اللّحم ) ، واحتمل العبد عدم قدرته على امتثال ذلك ، فإنّه ليس للعبد أن يعتذر عن ترك التعرّض للامتثال ، باحتمال عدم القدرة ، بل العقلاء يذمّونه ، فيعلم من ذلك بنائهم على اتّباع ظهور كلام المولى ، ما لم يثبت الاستحالة . قال المحقّق النائيني رحمه الله « 1 » : إنّ المراد بالإمكان في المقام ليس هو الإمكان التكويني ، بل المراد به الإمكان التشريعي المقابل للامتناع في عالم التشريع ، إذ المحاذير المذكورة كلّها راجعة إلى عالم التشريع ، وإلّا فلم يتوهّم أحدٌ ترتّب محذورٍ تكويني على التعبّد بالظنّ ، وعليه فلا ربط لذلك بالعقلاء كي يقال إنّ بنائهم على الإمكان . أقول : الحقّ ينبغي أنْ يعدّ هذا الكلام من الغرائب ، إذ الإمكان والامتناع ليسا أمرين اعتباريّين كي يختلف الحال باعتبار شخصٍ دون آخر ، بل هما أمران واقعيان ، بمعنى أنّ الخارج ظرفٌ لهما لا لوجودهما ، وإنّما الاختلاف يكون من ناحية المتعلّق ، فقد يكون المتعلّق أمراً تكوينيّاً ، وقد يكون تشريعيّاً ، فالإمكان والامتناع في جميع الموارد بمعنى واحد ، فكما أنّ بناء العقلاء على الإمكان في التكوينيّات ، يكون بنائهم عليه في التشريعيّات أيضاً كذلك .
--> ( 1 ) أجود التقريرات : ج 3 / 109 ، وفي الفوائد : ج 3 / 88 .